ابن أبي أصيبعة
25
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
الإسكندرية ومدرستها الطبية الشهيرة وأصبحت الإسكندرية أيضا مركز التجارة في البحر المتوسط « 1 » . فازدادت ثروة البطالمة وازدادت عاصمتهم بعلم الإغريق وفلسفتهم وفنهم ، فقد استقدمت هذه الأسرة الفلاسفة والعلماء ، وجمعت التحف ، وكونت مجموعة ضخمة من مؤلفات المصريين والإغريق وغيرهم . وإذا بالإسكندرية تفخر في ذلك الوقت بأمثال أقليدس وأرشميدس وغيرهما . وبالكشوف التي وصلوا إليها في علوم الفلك والجغرافية والهندسة والرياضة ، وإذا بالأذهان تنشغل بالبحث عن علة الوجود ومظاهر الحياة المختلفة ، وتنفتح إلى أديان جديدة وعقائد غريبة تثير مناقشات لا تنقطع حول الفلسفة وتفسير النصوص . ولذا فقد تميزت هذه الحقبة بالصراع المستمر بين الواقعية والصوفية من ناحية وبين التشكك والإيمان بأعجب الخرافات من ناحية أخرى . وقد عاد الطب تحت ظل البطالمة من اليونان إلى موطنه الأول بمصر . ولما كانت لغة البطالمة هي الإغريقية وهي لغة العالم المتمدين في ذلك الوقت ولئن أصبحت تلك اللغة كذلك لغة مصر الرسمية ، واتخذ علماء مصر لأنفسهم أسماء ذات رنة إغريقية ، ثم إن أغلبية السكان الساحقة في مدينة الإسكندرية كانوا من المصريين الأصليين ، الواتقين من عراقة أصلهم وأصالة محتدهم وثوقا يجعلهم يفخرون بتراث ماثل في أذهانهم ، وبذلك تشهد ثوراتهم العنيفة ضد بيزنطة ، وانشقاقهم على مذاهبها الرسمية ، واعتناقهم المذهب اليعقوبي القائل بتوحيد الطبيعة ، وتحملهم في أثر هذا أشنع اضطهاد ، بل إن الدين المصري القديم اكتسح في الإسكندرية الدين الوثني اليوناني وجعل منه خليطا تغلب فيه الصبغة المصرية « 2 » . وقد لعبت مدرسة الإسكندرية دورا كبيرا في تطور الطب بخاصة التشريح فالمدرسة القديمة بالإسكندرية التي ازدهرت في عهد البطالمة الأولين ( النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ) هي التي جعلت من الممكن لأول مرة إجراء فحص شامل لبناء الجسم البشرى . فلقد سبق أن قام أبقراط وتلاميذه ، وغيرهم من الأطباء ببحوث تشريحية إلا أن بحوثهم لم تكن أبدا على مثل ذلك الترابط ولا طريقتهم بمثل ذلك من الجودة ، إذ امتاز عصر الإسكندرية بالجرية في العلم وكان من المسموح به لعلماء التشريح أن يقوموا بالتشريح العملي بقدر ما كان يحلو لهم .
--> ( 1 ) غليونجى ، بول ، ابن النفيس : ص 35 . ( 2 ) سارتون ، جورج ، تاريخ العلوم : طبعة دار المعارف بمصر ، ج 4 ص 238 .